ابن أبي الحديد

156

شرح نهج البلاغة

إلي عهدا فأنا صابر عليه ، فأحرج على رجل يقاتل دوني ! ثم قال للحسن : إن أباك الآن لفي أمر عظيم من أجلك ، فأخرج إليه ، أقسمت عليك لما خرجت إليه ! فلم يفعل ، ووقف محاميا عنه . وخرج مروان بسيفه يجالد الناس ، فضربه رجل من بني ليث على رقبته ، فأثبته ( 1 ) وقطع إحدى علباويه ( 2 ) ، فعاش مروان بعد ذلك أو قص ( 3 ) ، وقام إليه عبيد بن رفاعة الزرقي ليذفف عليه ( 4 ) ، فقامت دونه فاطمة أم إبراهيم بن عدي - وكانت أرضعت مروان وأرضعت له - فقالت له : إن كنت تريد قتله فقد قتل ، وإن كنت إنما تريد أن تتلعب بلحمه فأقبح بذلك ! فتركه فخلصته وأدخلته بيتها ، فعرف لها بنوه ذلك بعد ، واستعملوا ابنها إبراهيم ، وكان له منهم خاصة ( 5 ) . وقتل المغيرة بن الأخنس بن شريق ، وهو يحامي عن عثمان بالسيف ، واقتحم القوم الدار ، ودخل كثير منهم الدور المجاورة لها ، وتسوروا من دار عمرو بن حزم إليها حتى ملأوها وغلب الناس على عثمان ، وندبوا رجلا لقتله ، فدخل إليه البيت ، فقال له : اخلعها وندعك ، فقال : ويحك ! والله ما كشفت عن امرأة في جاهلية ولا إسلام ، ولا تعينت ( 6 ) ولا تمنيت ، ولا وضعت يميني على عورتي مذ بايعت رسول الله ، ولست بخالع قميصا كسانيه الله ، حتى يكرم أهل السعادة ، ويهين أهل الشقاوة . فخرج عنه فقالوا له : ما صنعت ، قال : إني لم أستحل قتله ، فأدخلوا إليه رجلا من الصحابة ، فقال له : لست بصاحبي ، إن النبي صلى الله عليه دعا لك أن يحفظك يوم كذا ، ولن تضيع ، فرجع عنه .

--> ( 1 ) أثبته : جعله ثابتا في مكانه لا يتحرك من أثر الجراحة . ( 2 ) علباوان : مثنى علباء ، وهي عصب العنق . ( 3 ) الوقص : قصر العنق . ( 4 ) يدفف عليه : يجهز . ( 5 ) تاريخ الطبري 5 : 124 والخاصة : من خصه بنفسك . ( 6 ) تعين الرجل : تأنى ليصيب شيئا بعينه .